
إنقاذ الذاكرة، افتضاح الهوية
اسكندر حبش من بيروت: بدون أدنى مبالغة، يبدو نور الدين فارح، الروائي الإفريقي، الأهم، في السنين الخمس والعشرين الماضية، كما انه أحد أكثر ممثلي الرواية الحديثة، رهافة. ثمة عدد من الكتّاب قبله، ابتعدوا عن مفهوم المركز الأوروبي للتقدم الاجتماعي، إلا انه أكثرهم اكتمالا. إذ مفهومه محافظ ومتشائم بشكل عميق، بالمعنى الذي يعتبر فيه أن كل تطور اجتماعي يفكك مجتمعا تقليديا وعضويا، يشكل فقدانا وتدميرا. ربما كان فقدانا يستحق عذاب الاضطلاع به كي يمر إلى شي ء آخر: الحق في الدخول إلى نمط حياة أكثر تفتحا وتسامحا، أو نحو الوجود المتوحد، الأعظم، لمثقف مديني. مهما يكن من أمر، فإن التحديث، (سبب تحولات الكائن هذا)، يجلب دائما العذاب وعدم الفهم بين الأجيال، كما الكراهية والنفور. إنها الدموع التي تسكب بسبب هذا الألم، والتي وجدناها تغرق أعمال تولستوي، موزيل، بلزاك، هنري جيمس… من هنا، نجد نور الدين فارح وهو «يذرف قليلا من الدموع»، لكن، على قساوة التغيير.
في الصومال، حيث كبر، كان التطور سريعا وأكثر بلية من ذلك التطور الذي شهد عليه كتّاب أوروبا في القرن العشرين. بيد أن هذا التحول الذي قاد الصوماليين إلى أن ينتقلوا، في بعض عشرات السنين، من حالة البداوة الرعوية في القرن الإفريقي إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي، وفي أن يصبحوا بؤرة أزمة دولية يبدو تحولا منعشا. إذ ان العادات القديمة، لم تختف، بل أعيد إنتاجها، لتبقى صالحة، ولتغذي المتخيل في هذه الحياة الجديدة. الآباء والأبناء، الأمهات والبنات، لا يفقدون بعضهم بعضا، ولا أولادهم (كما إحدى شخصيات «أسرار» روايته الصادرة حديثا بترجمة عربية لخالد الجبيلي، عن «منشورات الجمل») بل يصبحون نماذج لأولئك الذين يقضون حياتهم في مانهاتن، ليخصصوا المال من أجل الكوكايين ولشراء سلاح الميليشيا في الوطن. إنهم يتذوقون مشاجراتهم البركانية، ويبقون على اتصال.
تعوم رواية فارح هذه، في الحبكات العائلية والسحر والجنس واستفهامات رجل يبحث عن حقيقة أصوله الخبيئة، اسمه كالامان، لكن رواية «أسرار» هي أكثر من رواية عن البحث الوجودي. إننا في مقديشو العام ,1991 في الأيام والساعات التي تسبق اللحظة التي ينفجر فيها العنف بين العصابات وزعماء الحرب التي تغلف الصومال. كأننا نسترجع ذكرى مدينة بومبيي (الايطالية). إنها آخر أيام مقديشو، حتى وان كان فارح ينجح، بحرفة، في ترك السياسة إلى المستوى الثاني، ويقطع مع السرد قبل أن يغرق حمام الدم حيوات أشخاصه. يجتاز كالامان العاصمة بسيارته، بينما يتجمع المسلمون على مفترق الطرقات ليضعوا الحواجز التي تقطع الطريق أمام السيارات. الأسئلة حول الأصول (مثلما يطرحها كالامان) تعود فجأة لترتدي سمة مستعجلة وحسية، كل واحد يطلع بجذوره وقبيلته، فخلف الطبول، ثمة عصابات تتحرك وهي تغني أناشيد الكراهية.
شخصيات الرواية، تقترب من الهولوكست، تلك الحرفة المتبادلة بين الجدود، وتلقي ضوءا رمزيا على أفعالها. وكالامان الذي يحاول معرفة والده، يتبع رحلة شعبه، لكن بخلاف ما يجري في الصومال، يكتشف انه يستطيع أن لا يكون مضطرا إلى قتل أبناء بلده.
اللحظات الأخيرة
تبدأ رواية فارح في مقديشو .1991 الرشاشات الأوتوماتيكية تقرقع في الفضاء. نظام الدكتاتور سياد بري يشهد أيامه الأخيرة. حرب العصابات والقبائل تتسع في كل لحظة. بسرعة كبيرة، حضرت كاميرات العالم بأسره كي تقتات بالدموع ولتلحق بالجنرالات الأميركيين أو بالوزراء الأوروبيين المحملين بأكياس الأرز. ومع ذلك كله، وبعيدا عن حقل عدسات الكاميرات، ثمة حيوات فردية، استمرت في عيشها لدرجة أنها انقلبت رأسا على عقب. كالامان شاب من أسرة ذائعة الصيت، رأى نفسه فجأة، في مواجهة مع انبثاق جوانب كاملة من ماضيه الذي كان مطمورا تحت مظهر نجاحه الاجتماعي، المطمئن جدا، وذي العطر الغربي (أسس شركة للمعلوماتية في عز انطلاقتها). في الجهة المقابلة، نجد شولونغو، تلك الشابة المليئة بالألغاز، التي عرفها بشكل حميم في طفولته، والتي تلاحقها الشائعات التي تجعل منها ساحرة «شريرة».
كانت شولونغو عائدة لتوّها من الولايات المتحدة، وتلح عليه أن ينجب منها طفلا باسم الحلف القديم الذي كان يجمعهما. إزاء ذلك، يغرق كالامان في سر أصوله ذات الهوية المليئة بالقسوة، إذ عند كل ناصية شارع تتم عمليات قتل باسم الدماء التي تسيل أو التي لا تسيل، في أوردة كل شخص. في تلك اللحظة، وأمام هذا الطلب، يبدأ كالامان بالتساؤل: لماذا لم يرث عضوا جنسيا ذا حجم خرافي كمثل حجم عضو جده الروحاني نونو أو مثل حجم عضو أبيه؟ لماذا هو ولد وحيد لا إخوة ولا أخوات له؟ لماذا كانت والدته تكن هذا البغض الوحشي للشابة شولونغو؟ أعليه أن يحمل السلام وأن يتخلى عن جميع أفكاره كي يدافع (عماذا؟) مع أبناء قبيلته عصابته؟ هل أن عصابته هذه تشكل أبناء أهله؟
«جثة واحدة وثلاثة أسرار»، هو عنوان الاستهلال في رواية نور الدين فارح، كما انه الجملة الأخيرة من الكتاب التي تأتي بعد 358 صفحة (في الترجمة العربية)، أي بعد أن يكتشف كالامان أنه لم يكن ما كان يعتقد أنه عليه أو بالأحرى، حين يكتشف أن الدماء التي تجري في شرايينه لم تكن دماءً صافية من أهله، أي ان الأم


































